الرقصة الأخيرة على وتر منطفئ

سالم البادي

إدارة الموقع
طاقم الإدارة
إنضم
20 سبتمبر 2007
المشاركات
8,737

480672276_1235158991944672_743240199704434635_n.jpg

تراتيل الهذيان: الرقصة الأخيرة على وتر منطفئ

ثمة شرٌّ مستطير يسكن تلك التعاويذ، حين يتلوها كاهنٌ تدثر بالصبر زيفاً، وهو يترقب في عتمته خمسة أضعاف الثمن؛ لينتقم من حياةٍ لا تكف عن السخرية. وفي الوقت الذي ينهمك فيه العالم بممارسة طقوس الأنانية المقدسة، لا يتبقى في الميدان سوى غريبٍ واحد، يتلو وحده تراتيل الحزن العتيق.

ملحمة الفتور

يا حبيبتي.. أخبريني كيف أنتقم من حبنا الذي جاوز حدود الجنون؟ كيف أسرد لكِ تفاصيل يومي المشروخ دون أن يسقط مني صوتي؟ وكيف لي ألا أنحر "وفائي الخائن" على أعتاب غيابك؟ جرحي اليوم لا ينزف دماً، بل تلّبى فيه "ملحمة الفتور"، وسكن قلبي عند آخر وترٍ عزفته جراحٌ ظننا يوماً أنها منسية.

الضحكة الأخيرة

في مسائنا هذا، لن نبحث عن النجاة.. بل سنرقص رقصتنا الأخيرة. سنخطو على نبرات بكائك الحزين، دعينا نضحك في وجه آخر قصة وجع، دعي نيراني الهستيرية تلتهم ما تبقى من أمل، لنضع حدوداً نهائية لهذا الحب المتواضع الذي لم يعد يتسع لجنوننا.

طفرة الهذيان

سأبقى هنا، في الجوار.. أراقب حوارنا الصامت كي لا ينكمش ويموت. لقد قضينا أزلاً من الزمان ونحن نهذي، لعلنا نصادف في طريقنا "طفرة الهذيان"؛ تلك التي تقذف بنا إلى عمق الصورة، لنكتشف أخيراً أن كل تلك الأصوات الصاخبة لم تكن سوى صدىً لفراغنا الكبير.

الشمعة المنطفئة

حبيبتي.. لقد استهلكني التفكير حتى سئمت مني الظنون. ولا أدري إلى متى سيظل هذا السأم رفيقي. مسائي الآن غارق في عتمة مطلقة؛ شمعتي ليست فقط منطفئة، بل فقدت ذاكرة الضوء.. ولا أعلم يا حبيبتي، متى سيعود للفتيل حق الاشتعال، أو متى سأكفُّ أنا عن انتظار المستحيل.
 

سالم البادي

إدارة الموقع
طاقم الإدارة
إنضم
20 سبتمبر 2007
المشاركات
8,737
(المكان: غرفة خافتة الإضاءة، طاولة وحيدة، ومزهرية جافة. الرجل يجلس مطأطأ الرأس، والمرأة تقف عند الشرفة)

الرجل (بصوت رتيب ومثقل):
"أتشعرين بها؟ تلك التعاويذ الشريرة التي يتلوها ذاك الكاهن المتصبر في مخيلتي.. إنه لا ينتظر الخلاص، بل ينتظر خمسة أضعاف الثمن لينتقم من هذه الحياة الساخرة. الجميع من حولنا غارقون في أنانيتهم، ولم يبقَ سواي.. أتلو تراتيل الحزن وحدي."

المرأة (تلتفت إليه بهدوء حزين): "لماذا تصر على استحضار الكهنة والتعاويذ؟ الحياة ليست مؤامرة، نحن فقط من أضعنا الطريق."

الرجل (يقاطعها بحرقة): "بل ضاعت الملامح يا حبيبتي! أخبريني.. كيف أنتقم من حبنا الجنوني هذا؟ كيف أسرد لكِ تفاصيل يومي المشروخ دون أن أنحر وفائي الذي بات يبدو لي خائناً؟ جرحي لم يعد يصرخ، لقد استسلم لملحمة الفتور، وقلبي توقف عند آخر وتر عزفته جراحٌ كنا قد أقسمنا أنها نُسيت."

المرأة (تقترب من الطاولة، تلمس المزهرية الجافة): "وهل الفتور هو الحل؟ أن تنطفئ هكذا؟"

الرجل (ينهض بملامح هستيرية): "في مسائنا هذا، أريدكِ أن ترقصي معي الرقصة الأخيرة. نعم.. سنرقص على نبرات بكائك، سنضحك في وجه آخر فصول الوجع. دعيني ألهب نيراني، دعيني أضع حدوداً نهائية لهذا الحب المتواضع.. لم يعد هناك متسع للمزيد."

المرأة (بهمس): "أراك تبتعد وأنت واقفٌ أمامي.. حوارنا ينكمش، يتلاشى."

الرجل (يحدق في الفراغ): "سأبقى بالجوار، أراقب هذا الحوار كي لا يختفي تماماً. لقد قضينا أزلاً نهذي، لعلنا نصادف 'طفرة الهذيان' التي تقذف بنا إلى عمق الصورة، لنكتشف أخيراً أن كل هذا الصخب حولنا ما هو إلا صدىً لخرابنا الداخلي."

المرأة (تضع يدها على كتفه): "بماذا تفكر الآن؟"

الرجل (ينظر إلى شمعة مطفأة على الطاولة): "سئمتُ من التفكير.. ولا أعلم إلى متى سيطول هذا السأم. مسائي مظلم جداً يا حبيبتي. انظري إلى هذه الشمعة.. إنها منطفئة، والأسوأ أنني لا أعلم متى فَقَدت رغبتها في الاشتعال.. ولا أعلم، حقاً لا أعلم، إلى متى سأبقى أنتظر ضوءاً لا يأتي."
 
أعلى