قضية الإعجاز البياني

سعود الظاهري

:: إداري سابق ومؤسس ::
إنضم
15 أكتوبر 2007
المشاركات
6,861
الإعجابات
0
الإقامة
الجنـ هي الهدف ـة
#1
قضية الإعجاز البياني



قضية الإعجاز البياني بدأت تفرض وجودها على العرب من أول المبعث ، فمنذ تلا المصطفى عليه الصلاة و السلام في قومه ما تلقى من كلمات ربه ، أدركت قريش ما لهذا البيان القرآني من إعجاز لا يملك أي عربي يجد حسَّ لغته و ذوقها الأصيل ، سليقة و طبعاً ، إلا أن يسلم بأنه ليس من قول البشر.

من هنا كان حرص طواغيت الوثنية من قريش ، على أن يحولوا بين العرب و بين سماع هذا القرآن . فكان إذا أهل الموسم و آن وفود العرب للحج ، ترصدوا لها عند مداخل مكة ، و أخذوا بسبل الناس لا يمر بهم أحد حذروه من الإصغاء إلى ما جاء به محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم من كلام قالوا إنه السحر يفرق بين المرء و أبيه و أخيه ، و بين المرء و زوجه وولده و عشيرته .

و ربما وصلت آيات منه إلى سمع أشدهم عداوة للإسلام، فألقى سلاحه مصدقاً و مبايعاً ، عن يقين بأن هذه الكلمات ليست من قول البشر.

حدثوا أن " عمر بن الخطاب " خرج ذات مساء متوشحاً سيفه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم و رهطاً من أصحابه ، في بين عنده " الصفا " سمع أنهم مجتمعون فيه ، فلقيه في الطريق من سأله :

ـ أين تريد يا عمر ؟

أجاب : أريد محمداً هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش و سفه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتا ، فأقتله .

قال له صاحبه :

ـ غرتك نفسك يا عمر ! أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض و قد قتلت محمداً ؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم ؟

سأله عمر ، وقد رابه ما سمع :

ـ أي أهل بيتي تعني؟

فأخبره أن صهره و ابن عمه " سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل " قد أسلم .

و كذلك أسلمت زوجته ، أخت عمر " فاطمة بنت الخطاب".

فأخذ " عمر " طريقه إلي بيت صهره مستثار الغضب ، يريد أن يقتله و يقتل زوجته فاطمة . فما كاد يدنو من الباب حتى سمع تلاوة خافتة لآيات من سورة طه ، فدخل يلح طلب الصحيفة التي لمح أخته تخفيها عند دخوله ....

و انطلق من فوره إلي البيت الذي اجتمع فيه المصطفى بأصحابه ، فبايعه ، وأعز الله الإسلام بعمر ، وقد كان من أشد قريش عداوة للإسلام و حرباً للرسول . [سيرة بن هشام ] .

و في حديث بيعة العقبة ، أن الرسول صلى الله عليه وسلم ندب صاحبه " مصعب بن عمير " ليذهب مع أصحاب العقبة إلى يثرب ، ليقرئهم القرآن و يعلمهم الإسلام . فنزل هناك على " أسعد بن زراة " الأنصاري الخزرجي .

فحدث أن خرجا يوماً إلى حي بني عبد الأشهل رجاء في أن يسلم بعض القوم . فما سمع كبير الحي " سعد بن معاذ ، و أسيد بن حضير" بقدم مصعب و أسعد ، ضاقا بهما و أنكرا موضعهما من الحي ، قال سعد بن معاذ لصاحبه أسيد بن حضير : " لا أبا لك ! انطلق على هذين الرجلين فأزجرهما و انهما عن أن يأتيا دارينا . فإنه لولا أن أسعد بن زرارة منى حيث علمت ، كفيتك ذلك : هو ابن خالتي و لا أجد عليه مقدماً" .

و التقط أسيد بن حضير حربته ومضى إلى صاحبي رسول الله فزجرهما متواعداً :

ـ ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا ؟ اعتزلانا إن كانت لكما بنفسيكما حاجة .
 

سعود الظاهري

:: إداري سابق ومؤسس ::
إنضم
15 أكتوبر 2007
المشاركات
6,861
الإعجابات
0
الإقامة
الجنـ هي الهدف ـة
#2
تابع


قال له مصعب بن عمير :

ـ أو تجلس فتسمع ، فإن رضيت أمراً قبلته ، و إن كرهته كُفَّ عنك ما تكره ؟

فركَّز أسيد حربته و اتكأ عليها يصغي إلى ما يتلو مصعب من القرآن . ثم أعلن إسلامه من فوره ، وعاد إلى قومه فعرفوا أنه جاء بغير الوجه الذي ذهب به . و ما زال أسيد بسعد بن معاذ حتى صحبه إلى ابن خالته أسعد بن زرارة ، فبادره سعد سائلاً في غضب و إنكار :

" يا أبا أمامة ، لولا ما بيني و بينك من القرابة ما رمت هذا مني . أتغشانا في دارنا بما نكره ؟ " .

ولم يجب أبو أمامه ، بل أشار على صاحبه " مصعب " الذي استهل سعد بن معاذ حتى يسمع منه ، ثم تلا آيات من معجزة المصطفى ، نفذت إلى قلب ابن معاذ فمزقت عنه حجب الغفلة و غشاوة الضلال . و أعلن إسلامه و عاد إلى قومه فسألهم : يا بني عبد الأشهل ، كيف تعلمون أمري فيكم ؟

أجابوا جميعاً : سيدنا ، و أفضلنا رأياً ، و أيمننا فيكم ؟

فأجابوا جميعاً : سيدنا ، وأفضلنا رأياً ، و أيمننا نقيبة .

فعرض عليم الإسلام " فو الله ما أمسى في حي بني عبد الأشهل رجل أو امرأة إلا مسلماً و مسلمة "[سيرة بن هشام ].

هل فرض القرآن إعجازه على هؤلاء الذين استنارت بصائرهم فآمنوا بمعجزة المصطفى بمجرد سماعهم آيات منها ، دون غيرهم ممن لجوا في العناد و التكذيب ؟

إن القرآن لم يفرض إعجازه البياني من أول المبعث ، على هؤلاء الذين سبقوا إلى الإيمان به فحسب ، بل فرضه كذلك على من ظلوا على سفههم و شركههم ، عناداً و تمسكاً بدين الآباء و نضالاً عن أوضاع دينية و اقتصادية و اجتماعية لم يكونوا لم يكونوا يريدون لها أن تتغير .

و في الخبر أن من طواغيت قريش و صناديد الوثنية العتاة من كانوا يتسللون في اوئل عصر المبعث خفية عن قومهم ، ليسعوا آيات هذا القرآن دون أن يملكوا إرادتهم .

روى " ابن إسحاق " في السيرة أن أبا سفيان بن حرب العبشي ، و أبا جهل ابن هشام المخزومي ، والأخنس بن شريق الزهري ، خرجوا ذات ليهة متفرقين على غير موعد ، إلى حيث يستمعون من رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو يصلى و يتلو القرآن في بيته . فأخذ كل رجل منهم مجلساً يستمع فيه ، و لا أحد منهم يعلم بمكان صاحبيه . فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا و قال بعضهم لبعض :

" لا تعودوا ، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً " ثم انصرفوا .

حتى إذا كانت الليلة التالية ، عاد كل منهم إلى مجلسه لا يدري بمكان صاحبيه .

فباتوا يستمعون للمصطفى حتى طلع الفجر فتفرقوا و جمعهم الطريق فتلاوموا ، وانصرفوا على ألا يعودوا .

لكنهم عادوا فتسللوا في الليلة الثالثة و باتوا يستعمون إلى القرآن[سيرة بن هشام ].
 

سعود الظاهري

:: إداري سابق ومؤسس ::
إنضم
15 أكتوبر 2007
المشاركات
6,861
الإعجابات
0
الإقامة
الجنـ هي الهدف ـة
#3
المظهر الثاني :



المفردة القرآنية:

إذا تأملت في الكلمات التي تتألف منها الجمل القرآنية رأيتها تمتاز بميزات ثلاثة رئيسية هي :

1 ـ جمل وقعها في السمع.

2ـ اتساقها الكامل مع المعنى .

3ـ اتساع دلالتها لما لا تتسع له عادة دلالات الكلمات الأخرى من المعاني و المدلولات . د

و قد نجد في تعابير بعض الأدباء و البلغاء كالجاحظ و المتنبي كلمات تتصف ببعض هذه الميزات الثلاثة أما ان تجتمع كلها معا ، و بصورة مطردة لا تتخلف أو تشذ فذلك مما لم يتوافر إلا في القرآن الكريم .

و إليك بعض الأمثلة القرآنية التي توضح هذه الظاهرة و تجليها :

أنظر إلى قوله تعالى في وصف كل من الليل و الصبح : " و الليل إذا عسعس و الصبح إذا تنفس " ألا تشم راحة المعنى واضحاً من كل هاتين الكلمتين : عسعس ، و تنفس؟

ألا تشعر أن الكلمة تبعث في خيالك صورة المعنى محسوسا مجسماً دون حاجة للرجوع إلى قواميس اللغة ؟

و هل في مقدورك أن تصور إقبال الليل ، وتمدده في الآفاق المترامية بكلمة أدق و أدل من " عسعس " .

و هل تستطيع أن تصور انفلات الضحى من مخبا الليل و سجنه بكلمة أروع من " تنفس " . ؟

أقرأ قوله تعالى : " يأيها الذين آمنوا ، مالكم إذا قيل لكم : انفروا في سبيل الله أثاقلتم إلى الأرض " [سورة التوبة ].

و ادرس الأداء الفني الذي قامت به لفظة " أثاقلتم " بكل ما تكونت به من حروف ، و من صورة ترتيب هذه الحروف ، و من حركة التشديد على الحرف اللثوية " الثاء " و المد بعده ، ثم مجيء القاف الذي هو أحد حروف القلقلة ، ثم التاء المهموسة ، والميم التي تنطبق عليها الشقتان ، ويخرج صوتها من الأنف ، ألا تجد نظام الحروف ، وصورة أداء الكلمة ذاتها أوحت إليك بالمعنى ، قبل أن يرد عليك المعنى من جهة المعاجم .؟ ألا تلحظ في خيالك ذلك الجسم المثاقل ، يرفعه الرافعون في جهد فيسقط في أيديهم في ثقل ؟ ألا تحس أن البطء في تلفظ الكلمة ذاتها يوحي بالحركة البطيئة التي تكون من المثاقل ؟

جرب أن تبدل المفردة القرآنية ، و تحل محلها لفظة " تثاقلتم" ألا تحس أن شيئاً من الخفة و السرعة ، بل و النشاط أوحت به " تثاقلتم " بسبب رصف حروفها ، و زوال الشدة ، وسبق التاء قبل الثاء ؟ إذن فالبلاغة تتم في استعمال " أثاقلتم " للمعنى المراد ، ولا تكون في " تثاقلتم " .
 

سعود الظاهري

:: إداري سابق ومؤسس ::
إنضم
15 أكتوبر 2007
المشاركات
6,861
الإعجابات
0
الإقامة
الجنـ هي الهدف ـة
#4
المظهر الثالث :



الجملة القرآنية و صياغتها

إن دراسة الجملة القرآنية تتصل اتصالا مباشراً بدراسة المفردة القرآينة لأن هذه أساس الجملة ، و منها تركيبها ، و إذا كان علماء البلاغة يجعلون البلاغة درجات ، فإنهم مقرون دون جدل أن صياغة العبارة القرآنية في الطرف الأعلى من البلاغة الذي هو الإعجاز ذاته . و للإعجاز فيها وجوه كثيرة .

فمنها : ما تجده من التلاؤم و الاتساق الكاملين بين كلماتها ، و بين ملاحق حركاتها ، و سكناتها ، فالجملة في القرآن تجدها دائماً مؤلفة من كلمات و حروف ، و أصوات يستريح لتألفها السمع و الصوت و المنطق ، و يتكون من تضامها نسق جميل ينطوي على إيقاع رائع ، ما كان ليتم لو نقصت من الجملة كلمة أو حرف أو اختلف ترتيب ما بينها بشكل من الأشكال .

أقرأ قوله تعالى : " ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ، و فجرنا الأرض عيوناً فالتقى الماء على أمر قد قدر " و تأمل تناسق الكلمات في كل جملة منها ، ثم دقق نظرك ، و تأمل تألف الحروف الرخوة مع الشديدة و المهموسة و المجهورة و غيرها ، ثم حالو تمعن في تأليف و تعاطف الحركات و السكنات و المدود اللاحقة ببعضها ، فإنك إذا تأملت في ذلك ، علمت أن هذا الجملة القرآنية . إنما صبت من الكلمات و الحروف و الحركات في مقدار ، و أن ذلك إنما قدر تقديراً بعلم اللطيف الخبير و هيهات للمقاييس البشرية أن تضبط الكلام بهذه القوالب الدقيقة .

و منها : إنك تجد الجملة القرآنية تدل بأقصر عبارة على أوسع معنى تام متكامل لا يكاد الإنسان يستطيع التعبير عنه إلا بأسطر و جمل كثيرة ن دون أن تجد فيه اختصاراً مخلا ، أو ضعفاً في الأدلة . أقرأ قوله تعالى : " خذ العفو ، و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين " [ سورة الأعراف] .

ثم تأمل كيف جمع الله بهذا الكلام كل خلق عظيم ، لأن في أخذ العفو صلة القاطعين و الصفح عن الظالمين .

و اقرأ قوله تعالى مخاطباً آدم عليه السلام : " أن لك ألا تجوع فيها و لا تعرى ، و أنك لا تظمأ فيها و لا تضحى " ثم تأمل كيف جمع الله بهذا الكلام أصول معايش الإنسان كلها من طعام و شراب و ملبس ، و مأوى .

و أقرأ قوله تعالى : " و أوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه ، فإذا خفت عيه فألقيه في اليم و لا تخافي و لا تحزني إنا رادوه إليك و جاعلوه من المرسلين " و تأمل كيف جمعت هذه الآية الكريمة بين أمرين و نهيين و خبرين و بشارتين أما الأمرين فهما : " أرضعيه ، و ألقيه في اليم ، و أما النهيان فهما " لا تخافي " ، و " لا تحزني " .

و أما الخبران فهما " أوحينا " و " خفت " و أما البشارتان فهما " أنا رادوه إليك " و " جاعلوه من المرسلين " .

و تأمل سورة " الكوثر " وهي أقصر سورة في القرآن إذ هي ثلاثة آيات قصار كيف تضمنت ، على قلة آياتها الأخبار عن مغيبين : أحدهما : الأخبار عن الكوثر " نهر في الجنة " و عظمته و سعته و كثرة أوانيه , الثاني : الإخبار عن " والوليد بن المغيرة " و كان عند نزولها ذا مال وولد ، ثم أهلك الله سبحانه ماله وولده ، وانقطع نسله

ومنها : أخراج المعنى المجرد في مظهر الأمر المحس الملموس ، ثم بث الروح و الحركة في هذا المظهر نفسه .

و مكمن الإعجاز في ذلك ، أن الألفاظ ليست إلا حروفاً جامدة ذات دلالة لغوية على ما أنيط بها من المعاني ، فمن العسير جداً أن تصبح هذه الألفاظ وسيلة لصب المعاني الفكرية المجردة في قوالب من الشخوص و الأجرام و المحسوسات ، تتحرك في داخل الخيال كأنها قصة تمر أحداثها على مسرح يفيض بالحياة و الحركة المشاهدة الملموسة . أستمع إلى القرآن الكريم و هو يصور لك قيام الكون على أساس من النظام الرتيب و التنسيق البديع الذي لا يتخلف ، و لا يلحقه الفساد ، فيقول : " إن ربكم الله خلق السموات و الأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً ، و الشمس و القمر و النجوم مسخرات بأمره إلا له الخلق و الأمر " [الأعراف 54].

إنه يصور لك هذا المعنى في مظهر من الحركة المحسوسة الدائرة بين عينيك ، و كأنها أمام آلات تتحرك بسرعة دائبة في نظام مستمر يعيها و تصورها الشعور و الخيال .

 

سعود الظاهري

:: إداري سابق ومؤسس ::
إنضم
15 أكتوبر 2007
المشاركات
6,861
الإعجابات
0
الإقامة
الجنـ هي الهدف ـة
#5
الباحثون في القرآن يجمعون على إعجازه



الجاحظ و رأيه في بلاغة القرآن :

الجاحظ هو مؤسس البيان العربي بلا منازع ، هو أبو عثمان بن بحر بن محبوب الكتاني ، المعروف بالجاحظ البصري ولد سنة 150 هـ و توفي سنة 255هـ .

ففي رسالة له بعنوان حجج نبوية يقول : " إن محمد صلى الله عليه و سلم مخصوص بعلامة ، لها في العقل موقع كموقع فلق البحر في العين .. ذلك قوله لقريش خاصة و للعرب عامة مع من فيها من الشعراء و الخطباء و البلغاء ، والحكماء و أصحاب الرأي و المكيدة ، والتجارب و النظر في العامة " إن عارضتموني بسورة واحدة فقد كذبت في دعواي ، و صدقتكم في تكذيبي " ثم يقول " و لا يجوز أن يكون مثل العرب في كثير عددهم و اختلاف عللهم و كلامهم ، وهو سيد علمهم ، وقد فاض بيانهم ، و جاشت به صدورهم ، وغلتهم قوتهم عليه عند أنفسهم ، حتى قالوا في الحيات ، والعقارب و الذئاب و الكلاب ، والخنافس ، والحمير و الحمام و كل ما دب على الأرض و لاح لعين ، وخطر على قلب و لهم أصناف النظم ، و ضروب التأليف .. كالقصيد، والرجز ، و المزدوج و المتجانس و الاستماع و المنثور و بعد فقد هاجوه من كل جانب ، و هاجا أصحابه شعرائهم ، و نازعوه خطباءهم و حاجوه في الموقف و خاصموه في الموسم ، و باروه العداوة ، وناصبوه الحرب ، فقتل منهم و قتلوا منه .. و هم أثبت الناس حقداً ، و أبعدهم مطلباً ، و أذكرهم لخبر أو الشر ، و أبقاهم له ، و أهجاهم ثم لا يعارضه معارض ، ولم يتكلف ذلك خطيب و شاعر .

ثم يقول : و محال في التعارف و مستنكر في التصادف أن يكون الكلام أقصر عندهم , و أيسر مئونة عليهم ، وهو أبلغ في تكذيبه ، و أنقض لقوله , أجدر أن يعرف ذلك أصحابه ، فيجتمعوا على ترك استعماله و الاستغناء عنه ، وهم يبذولون مهجهم و أموالهم و يخرجون من ديارهم في إطفاء أمرهم و توهين و لا يقولون ، بل و لا يقول واحد من جماعتهم ، لم تقتلوا أنفسكم وتستهلكوا أموالكم , تخرجون من دياركم و الحيلة في أمره ميسرة و المأخذ في أمره قريب ؟

ليؤلف واحد من شعرائكم و خطبائكم كلاماً في نظم كلامه ، كأصغر سورة يحتكم بها ، و كأصغر آية دعاكم إلى معارضتها ، بل لو نسوا ما تركهم حتى يذكرهم ، ولو تغافلوا ما ترك أن ينبههم ، فدل ذلك العاقل على أن أمرهم في ذلك لا يخلو ا من أحد أمرين :

إما أن يكونوا عرفوا عجزهم ، و أن مثل ذلك لا يتهيأ لهم ، فرأوا أن الأعراض عن ذكره ، والتغافل عنه في هذا الباب أمثل لهم في التدبير ، و أجدر ألا ينكشف أمرهم للجاهل و الضعيف ، و أجدر أن يجدوا إلى الدعوة سبيلاً ، وإلى اختراع الأنباء سبباً.

و إلا أن يكون غير ذلك ، و لا يجوز أن يطبقوا على ترك المعارضة و هم يقدرون عليها ، لأنه لا يجوز على العدد الكثير من العقلاء و الدهاة و الحكماء مع اختلاف عللهم ، و بعد همهم ، و شدة عداوتهم ، بذلك الكثير ، و صون اليسير فكيف على العقلاء لأن تحبير الكلام أهون من القتال و من إجراء المال أ. هـ .







مسيحوا العصر الحديث يعترفون بعظمة القرآن



أعترف الدكتور ماردريس المستشرق الفرنسي بعظمة القرآن الكريم و ذلك إثر بعد أن كلفته وزارتا الخارجية و المعارف الفرنسية بترجمة ( 62) سورة من السور الطوال التي لا تكرار فيها ففعل و قال في مقدمة ترجمته الصادرة 1926م أما أسلوب القرآن فهو أسلوب الخالق جل و علا فإن الأسلوب الذي ينطوي على كنه الخالق الذي صدر عنه هذا الأسلوب لا يكون إلا إلهاً ، والحق الواقع أن أكثر الكتاب شكاً و ارتيابا قد خضعوا لسلطان تأثيره .

و يورد الأستاذ محمد صادق الرافعي بعض تصريحات لمسيحيين عن بلاغة القرآن من هؤلاء أديب الملة المسيحية هو الشيخ إبراهيم اليازجي وهو أبلغ كاتب أخرجته المسيحية ، وذلك في كتابه ( نجعة الرائد ) و كذلك أورد الدكتور حين حسن ضياء الدين تصريحاً لأحد المسيحين يتضمن إعجابه بالإعجاز البياني بالقرآن الكريم و هذا الأديب الشاعر هو الشاعر المعاصر ( نقولا حنا ) .
 

سعود الظاهري

:: إداري سابق ومؤسس ::
إنضم
15 أكتوبر 2007
المشاركات
6,861
الإعجابات
0
الإقامة
الجنـ هي الهدف ـة
#6
تابع
من روائع الاستعارة في القرآن الكريم



قال تعالى : " و آية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون " سورة يس.

استعير في الآية الكريمة : " السلخ " و هو كشط الجلد عن الشاة و نحوها لإزالة ضوء النهار عن الكون قليلاً قليلاً ، بجامع ما يترتب على كل منهما من ظهور شيء كان خافياً ، فبكشط الجلد يظهر لحم الشاة ، و بغروب الشمس تظهر الظلمة التي هي الأصل و النور طاريء عليها ، يسترها بضوئه .

و هذا التعبير الفني يسميه علماء البلاغة " الاستعارة التصريحية التبعية " .

استعارة رائعة و جملية ، إنها بنظمها الفريد و بإيحائها و ظلها و جرسها قد رسمت منظر بديعاً للضوء و هو ينحسر عن الكون قليلاً قليلاً و للظلام و هو يدب إليه في بطء .

إنها قد خلعت على الضوء و الظلام الحياة ، حتى صارا كأنهما جيشان يقتتلان ، قد أنهزم أحدهما فولى هارباً ، و ترك مكانه للآخر .

تأمل اللفظة المستعارة و هي " نسلخ " إن هذه الكلمة هي التي قد استقلت بالتصوير و التعبير داخل نظم الآية المعجز فهل يصلح مكانها غيرها ؟

قال تعالى : " و الصبح إذا تنفس " استعير في الآية الكريمة خروج النفس شيئاً فشيئاً لخروج النور من المشرق عند انشقاق الفجر قليلاً قليلاً بمعنى النفس

ن تنفس بمعنى خرج النور من المشرق عند انشقاق الفجر .

استعارة قد بلغت من الحسن أقصاه ، و تربعت على عرش الجمال بنظمها الفريد ، إنها قد خلعت على الصبح الحياة حتى لقد صار كائنا حيا يتنفس ، بل إنساناً ذا عواطف و خلجات نفسية ، تشرق الحياة بإشراق من ثغره المنفرج عن ابتسامة وديعة ، و هو يتنفس بهدوء ، فتتنفس معه الحياة ، و يدب النشاط في الأحياء على وجه الأرض و السماء ، أرأيت أعجب من هذا التصوير ، و لا أمتع من هذا التعبير؟

ثم تأمل اللفظة المستعارة و هي " تنفس " أنها بصوتها الجميل و ظلها الظليل ، و جرسها الساحر قد رسمت هذه الصورة البديعة في إطار نظم الآية المعجزة ، فهل من ألفاظ اللغة العربية على كثرتها يؤدي ما أدته ، و يصور ما صورته ؟

قال تعالى : " إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية " سورة الحاقة .

استعير في الآية الكريمة " الطغيان " للأكثر الماء بجامع الخروج عن حد الاعتدال و الاستعارة المفرط في كل منها .

ثم اشتق من الطغيان : " طغى " بمعنى كثر .

استعارة فريدة لا توجد في غير القرآن إنها تصور لك الماء إذا كثر و فار و اضطرب بالطاغية الذي جاوز حده ، و أفرط في استعلائه . أرأيت أعجب من هذا التصوير الذي يخلع على الماء صفات الإنسان الآدمي ؟ ثم تأمل اللفظة المستعارة " طغى " إنها بصوتها و ظلها و جرسها إيحائها قد استقلت برسم هذه الصورة الساحرة في إطار نظم الآية المعجز .

قال تعالى : " فأصدع بما تؤمر و أعرض عن المشركين " .

استعير في الآية الكريمة :" الصدع " و هو كسر الزجاج للتبليغ بجامع التأثير في كل منهما أما في التبليغ فلأن المبلغ قد أثر في الأمور المبلغة ببيانها بحيث لا تعود إلى حالتها الأولى من الخفاء ، و أما في الكسر فلأن فيه تأثير لا يعود المكسور معه إلى الإلتئامه .

ثم اشتق من الصدع معنى التبليغ اصدع بمعنى بلغ ، استعارة رائعة و جميلة إنها تبرز لك ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم في صورة مادة يشق بها و يصدع . إنها تتبرز لك المعنى المعقول في صورة حسية متحركة كأنها كأنك تراها بعينك و تلمسها بيدك . تأمل اللفظة المستعارة " اصدع " إنها بصورتها و جرسها و إيحائها قد استقلت برسم هذه الصورة الفردية المؤثرة إذ أن من يقرأها يخيل إليها أنه يسمع حركة هذه المادة المصدوعة تخيل لو استبدلت كلمة " اصدع " بكلمة " بلغ" ألا تحس أن عنصر التأثير قد تضاءل و أن الصورة الحية المتحركة قد اختفت و أن المعنى قد أصبح شاحباً باهتاً؟

إن اللفظة المستعارة هي التي رسمت هذه الصورة في إطار نظم الآية المعجزة .

قال تعالى : " و تركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض و نفخ في الصور فجمعناهم جمعاً " سورة الكهف 100.

استعير في الآية الكريمة الموج " حركة الماء" للدفع الشديد بجامع سرعة الاضطراب و تتابعه في الكثرة ثم اشتق من الموج بمعنى الدفع الشديد" يموج " بمعنى يدفع بشدة
.
 

سعود الظاهري

:: إداري سابق ومؤسس ::
إنضم
15 أكتوبر 2007
المشاركات
6,861
الإعجابات
0
الإقامة
الجنـ هي الهدف ـة
#7
تابع
من روائع الكناية في القرآن الكريم



قال تعالى : " نساؤكم حرث لكم " لقد كنى القرآن الكريم في هذه الآية بكلمة " الحرث " عن المعاشرة الزوجية .

إن هذه الكناية الفردية مما انفرد به القرآن الكريم فهي لطيفة دقيقة راسمة مصورة ، مؤدية مهذبة ، فيها من روعة التعبير و جمال التصوير ، و ألوان الأدب و التهذيب ما لا يستقل به بيان ، و لا يدركه إلا من تذوق حلاوة القرآن . إنها عبرت عن العاشرة الزوجية التي من شأنها أن تتم في السر و الخفاء بالحرث و هذا نوع من الأدب رفيع وثيق الصلة بالمعاشرة الزوجية ، و تنطوي تحته معاني كثيرة تحتاج في التعبير عنها إلى الآف الكلمات انظر إلى ذلك التشابه بين صلة الزراع بحرثه وصلة الزوجة في هذا المجال الخاص ، و يبن ذلك النبت الذي يخرجه الحرث ، و ذلك النبت الذي تخرجه الزوج ، و ما في كليهما من تكثير و عمران و فلاح كل هذه الصور و المعاني تنطوي تحت كلمة " الحرث " أليست هذه الكلمة معجزة بنظمها و تصورها ؟

هل في مفردات اللغة العربية ـ على كثرتها ـ ما يقوم مقامها و يؤدي ما أدته و يصور ما صورته . إن المعنى لا يتحقق إلا بها . و عن التصوير لا يوجد بسواها .

قال تعالى : " فاتقوا النار التي وقودها الناس و الحجارة " سورة البقرة .

هذه الآية كناية عن عدم العناية عند ظهور المعجزة . أي لا تعاندوا عند ظهور المعجزة فتمسكم هذه النار العظيمة تأمل هذه الكناية و مدى ما فيها من جمال التعبير ، و روعة التصوير ، و لطافة الإيجاز . إنها عبرت عن العناد عند ظهور المعجزة بالنار العظيمة ، و هذا التعبير فيه ما فيه من شدة التنفيذ و قوة التأثير ، ثم أن هذا التعبير قد أبرز لك هذا المعنى الفكري المجرد في صورة محسوسة ملموسة و لم يقف عند هذا الحد من التجسيم والتشخيص بل تعداه إلى التصيير و التحويل . فحوله على نار ملتهبة متأججة متوهجة بل تعداه إلى أعجب من هذا التصوير ، و لا أروع و ألذ من هذا التعبير ؟ إنه الإعجاز يلبس ثوب الكناية فتنحني له هامات البلغاء ، و يثير في النفس أسمى آيات الإعجاب .

قال تعالى : " و لكن لا تواعدوهن سراً " سورة البقرة 235.

في هذه الآية كنى القرآن الكريم عن الجماع بالسر . تأمل هذه الكناية و مدى ما فيها من اللطائف و الأنوار و الأسرار . تأمل هذه الكناية و مدى ما فيها من اللطائف و الأنوار و الأسرار . إن في الكناية بالسر عن الجماع من ألوان الأدب و التهذيب ما يعجز عن وصفه أساطين البيان ، و فيها من جمال التعبير ما يسترق الأسماع و يهز العواطف و يحرك الأحاسيس و المشاعر . لقد ألبست الجماع الذي يتم في السر ثوب السر فذهبت بسر الفصاحة و البيان . أبعد هذا يقال أن الكناية في القرآن يستطيع أن يحاكيها بنو الإنسان ؟ أبداً و الله إن بني الإنسان من المعجز بحيث لا يمكنهم فهم ما تنطوي عليه الكناية في القرآن من الأسرار .

قالى تعالى : " إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم " سورة آل عمران .

كنى القرآن الكريم في هذه الآية بنفي التوبة عن الموت على الكفر . تأمل هذه الكناية و مدى ما فيها من الجمال و الروعة . ألا تحس أن التعبير الذي كنى به القرآن أجمل من أي تعبير آخر ؟ ألا تحس أن في هذا التعبير إيجاز لطيف ؟ إن التعبير بجماله و إيجازه و بديع نظمه فوق مقدور البشر .

قال تعالى : " فجعلهم كعصف مأكول" سورة الفيل . كنى القرآن الكريم " بالعصف المأكول " عن مصيرهم إلى العذر فإن الورق إذا أكل انتهى حاله إلى ذلك .

تأمل هذه الكناية إن فيها من ألوان الأدب و الجمال ما لا يستقل به بيان ، و فيها من الإعجاز اللطيف ما يعجز عن وصفه مهرة صناع الكلام . أما الأدب و الجمال ففي التعبير عن العذرة بالعصف المأكول و هذا التعبير مما أنفرد به القرآن فلا يوجد في غيره ، و أما الإيجاز اللطيف ففي اختصار مقدمات لا أهمية لها بالتنبيه على النتيجة الحاسمة التي يتقرر فيها المصير . و فيها زيادة على ذلك التلازم الوثيق بين اللفظ و المعنى الكنائي الذي لا يتخلف أبدا فإن العصف المأكول لابد من صيرورته إلى العذرة .

فالمعنى لا يؤدي إلا بهذا اللفظ لا يصلح لهذا المعنى حتى لتكاد تصعب التفرقة بينهما فلا يدري أيهما التابع ؟ و أيهما المتبوع ؟ و من هنا يأتي الإعجاز .

قال تعالى : " و لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ، و لا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسورا " سورة الإسراء . كنى القرآن الكريم في هذه الآية بغل اليد إلى العنق عن البخل ، و ببسطها كل البسط عن الإسراف . تأمل الكنايتين تجد فيهما من روائع البيان ما لا يحيط به فكر إنسان فيهما جمال في التعبير ، و روعة في التصوير ، و إيجاز و تأثير ، و تنفير .

حدثني بربك ألا ترى أن التعبير عن البخل باليد المغلولة إلى العنق فيه تصوير محسوس لهذه الخلة المذمومة في صورة بغيضة منفرة ؟ فهذه اليد التي غلت إلى العنق لا تستطيع أن تمتد ، و هو بذلك يرسم صورة البخيل الذي لا تستطيع يده أن تمتد ، وهو بذلك يرسم صورة البخيل الذي لا تستطيع يده أن تمتد بإنفاق و لا عطية . و التعبير ببسطها لك البسط يصور هذا المبذر لا يبقى من ماله على شيء كهذا الذي يبسط يده فلا يبقى بها شيء . و هكذا استطاعت الكناية أن تنقل المعنى الذي يبسط يده فلا يبقى بها شيء . و هكذا استطاعت الكناية أن تنقل المعنى قوياً مؤثراً ثم تأمل التلازم الوثيق الذي لا يتخلف أبداً بين التعبير و المعنى الكنائي . إن هذا التلائم يدلك على أن المعنى الكنائي لا يمكن تأديته و تصويره إلا بهذا التعبير ، و أن هذا التعبير لا يصلح إلا لهذا المعنى . هل في مقدور البشر أن يحاكوا هذا الأسلوب ؟
 

سعود الظاهري

:: إداري سابق ومؤسس ::
إنضم
15 أكتوبر 2007
المشاركات
6,861
الإعجابات
0
الإقامة
الجنـ هي الهدف ـة
#8
إعجاز في نغم القرآن



إنك إذا قرأت القرآن قراءة سليمة ، و تلاوة صحيحة . أدركت أنه يمتاز بأسلوب . إيقاعي ينبعث منه نغم ساحر يبهر الألباب ، و يسترق الأسماع ، و يسيل الدموع من العيون . و يستولي على الأحاسيس و المشاعر ، و أن هذا النغم يبرز بروزاً واضحاً في السور القصار و الفواصل السريعة ، و مواضع التصوير و التشخيص بصفة عامة ، و يتوارى قليلاً أو كثيراً في السور الطوال و لكنه ـ على لك حال ـ ملحوظ دائماً في بناء النظم القرآني . إنه تنوع موسيقي الوجود في أنغماه و ألحانه .

و لعنا لا نخطئ إن رددنا سحر هذا النغم إلى نسق القرآن الذي يجمع بين مزايا النثر و الشعر جميعاً يقول المرحوم الأستاذ سيد قطب : " على أن النسق القرآني قد جمع بين مزايا الشعر و النثر جميعاً ، فقد أعفى التعبير من قيود القافية الموحدة و التفعيلات التامة ، فنال بذلك حرية التعبير الكاملة عن جميع أغراضه العامة ، و أخذ في الوقت ذاته من خصائص الشعر الموسيقى الداخلية ، و الفواصل المتقاربة في الوزن التي تغنى عن التفاعيل ، والتقفية التي تغني عن القوافي ، و ضم ذلك إلى الخصائص التي ذكرنا فجمع النثر و النظم جميعاً " .[ التصوير الفني في القرآن سيد قطب ].

أقرأ معي الآيات الأولي من سورة النجم :

بسم الله الرحمن الرحيم :" و النجم إذا هوى ، ما ضل صاحبكم و ما غوى ، و ما ينطق عن الهوى ، أن هو إلا وحى يوحى ، علمه شديد القوى ، ذو مرة فاستوى ، و هو بالأفق الأعلى ن ثم دنا فتدلى ، فكان قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى على عبده ما أوحى ، ما كذب الفؤاد و ما رأى ، أفتمارونه على ما يرى " ؟

و لقد رآه نزلة أخرى ، عند سدرة المنتهي ، عندها جنة المأوى ، إذ يغشى السدرة ما يغشى ، ما زاغ البصر و ما طغى ، لقد رأى من آيات ربه الكبرى، أفرأيتم اللات و العزى ، و مناة الثالثة الأخرى ؟ ألكم الذكر و له الأنثى ؟ تلك إذن قسمة ضيزى" سورة النجم .

تأمل الآيات تجد فواصل متساوية في الوزن تقريباً ـ على نظام غير نظام الشعر العربي ـ متحدة في حرف التقفية تماماً ، ذات إيقاع موسيقي متحد تبعاً و ذلك ، و تبعاً لأمر آخر لا يظهر ظهر الوزن و القافية ، لأنه ينبعث من تألف الحروف في الكلمات ، وتناسق الكلمات في الجمل ، و مرده إلى الحس الداخلي ، و الإدراك الموسيقي ، الذي يفرق بين إيقاع موسيقي و إيقاع ، و لو اتحدت الفواصل و الأوزان . و ألإيقاع الموسيقي هنا متوسط الزمن تبعاً لتوسط الجملة الموسيقية في الطول متحد تبعاً لتوحد الأسلوب الموسيقي و إيقاع ، و لو اتحدت الفواصل و الأوزان .

و لا يعني هذا أن كلمة " الأخرى " أو كلمة " الثالثة " أو كلمة " إذن " زائدة لمجرد القافية أو الوزن ، فهي ضرورية في السياق لنكث معنوية خاصة .

و تلك ميزة فنية أخرى أن تأتي اللفظة لتؤدي معنى في السياق لنكث معنوية خاصة ، و تلك ميزة فنية أخرى أن تأتي اللفظة لتؤدي معنى في السياق ، وتؤدي تناسباً في الإيقاع ، دون أن يطغى هذا على ذلك ، أو نحو يختل إذا قدمت أو أخرت فيه ، أو عدلت في النظم أي تعدل .

و إن هذا النغم القرآني ليبدو في قمة السحر و التأثير في مقام الدعاء ، إذا الدعاء ـ بطبيعة ـ ضرب من النشيد الصاعد إلى الله ، فلا يحلو وقعه في نفس الضارع المبتهل إلا إذا كانت ألفاظه جميلة منتقاة و جملة متناسقة متعانقة ، و فواصله متساوية ذات إيقاع موسيقي متزن ، و القرآن الكريم لم ينطق عن لسان النبيين و الصديقين و الصالحين إلا بأحلى الدعاء نغماً , و أروعه سحر بيان ، أن النغم الصاعد من القرآن خلال الدعاء يثير بكل لفظة صورة ، و ينشئ في كل لحن مرتعاً للخيال فسيحا : فتصور مثلاً ـ و نحن نرتل دعاء زكريا عليه السلام ـ شيخاً جليلاً مهيباً على كل لفظه ينطق بها مسحة من رهبة ، وشعاع من نور ، و نتمثل هذا الشيخ الجليل ـ على وقاره ـ متأجج.

العاصفة ، متهدج الصوت ، طويل النفس ، ما تبرح أصداء كلماته تتجاوب في أعماق شديدة التأثير . بل أن زكريا في دعائه ليحرك القلوب المتحجرة بتعبيره الصادق عن حزنه و أساه خوفاً من انقطاع عقبه ، و هو قائم يصلي في المحراب لا ينئ ينادي أسم ربه نداء خفياً ، و يكرر اسم " ربه " بكرة و عشياً ، و يقول في لوعة الإنسان المحروم و في إيمان الصديق الصفي : " رب إني وهن العظم مني ، و اشتعل الرأس شيباً ، و لم أكن بدعائك رب شقياً ، وإني خفت الموالي من ورائي ، و كانت امرأتي عاقراً ، فهب لي من لدنك ولياً ، يرثني و يرث من آل يعقوب و اجعله رب رضياً " سورة مريم .

و إن البيان لا يرقى هنا إلى وصف العذوبة التي تنتهي في فاصلة كل آية بيائها المشددة و تنوينها المحول عند الوقف ألفا لينة كأنها في الشعر ألف الإطلاق : فهذه الألف اللينة الرخية المنسابة تناسقت بها " شقياـ وليا ـ رضياً " مع عبد الله زكريا ينادي ربه نداء خفياً ، ولقد استشعرنا هذا الجو الغنائي و نحن نتصور نبياً يبتهل وحده في خلوة مع الله ، و كدنا نصغي إلى ألحانه الخفية تتصاعد في السماء ، فكيف بنا لو تصورنا جماعة من الصديقين الصالحين و هم يشتركون : ذكرانا و إناثا ، شبانا ً بأصوات رخيمة متناسقة تصعد معا و تهبط معا و هي تجأر إلى الله ، و تنشد هذا النشيد الفخم الجليل :" ربنا ما خلقت هذا باطلاً ، سبحانك فقنا عذاب النار ، ربنا إنك من تدخل النار فقد أخذيته ، و ما للظالمين من أنصار ، ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بركم فأمنا ، ربنا فأغفر لنا ذنوبنا ، و كفر عنا سيأتينا ، و توفنا مع الأبرار ، ربنا و آتنا ما وعدتنا على رسلك و لا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد ".

إن في تكرار عبارة " ربنا " لما يلين القلب ، و يبعث فيه نداوة الإيمان ، و أن في الوقوف بالسكون على الراء المذلقة المسبوقة بهذه الألف اللينة لما يعين على الترخيم و الترنيم ، و يعوض في الأسماع أحلى ضربات الوتر على أعذب العيدان .

و لئن كان في موقفي الدعاءين هذين نداوة و لين ، ففي بعض مواقف الدعاء القرآني الأخرى صخب رهيب ، ها هو ذا نوح عليه السلام يدأب ليلاً و نهاراً على دعوة قومه إلى الحق ، ويصر على نصحهم سراً و علانية ، و هم يلجون في كفرهم و عنادهم ، ويفرون من الهدى فراراً ، و لا يزدادون إلا ضلالاً و استكباراً ، فما على نوح ـ و قد أيس منهم ـ إلا أن يتملكه الغيظ و يمتلئ فمه بكلمات الدعاء الثائرة الغضبى تنطلق في الوجوه مديدة مجلجة ، بموسيقاها الرهيبة ، و إيقاعها العنيف ، و ما تتخيل الجبال إلا دكا ، و السماء إلا متجهمة عابسة و الأرض إلا مهتزة مزلزة ، والبحار إلا هائجة ثائرة ، حين دعا نوح على قومه بالهلاك و التيار فقال: " رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك و لا يلدوا إلا فاجراً كفاراً ، رب أغفر لي ولوالدي و لمن دخل بيتي مؤمنا ، و للمؤمنين و المؤمنات ، و لا تزد الظالمين إلا تبارا" سورة الأحزاب . أما الحناجر الكظيمة المكبوتة التي يتركها القرآن في بعض مشاهده تطلق أصواتها الحبيسة ـ بكل كربها و ضيقها و بحتها و حشرجتها ـ فهي حناجر الكافرين النادمين يوم الحساب العسير ، فيتحسرون و يحاولون التنفيس عن كربهم ببعض الأصوات المتقطعة المتهدجة ، كأنهم بها يتخففون من أثقال الدين يدعون ربهم دعاء التائبين النادمين و يقولون :" ربنا أنا أطعنا سادتنا و كبراءنا فأضلونا السبيلاً ، ربنا آتهم ضعفين من العذاب و العنهم لعنا كبيراً ." سورة الأحزاب 67،68.

و إن هذه الموسيقى الداخلية لتنبعث في القرآن حتى من اللفظة المفردة في كل آية من آياته ، فتكاد تستقل ـ بجرسها و نغمها ـ بتصوير لوحة كاملة فيها اللون زاهياً أو شاحباً ، و فيها الظل شفيقاً أو كثيفاً . أرأيت لونا أزهي من نضرة الوجوه السعيدة الناظرة إلى الله ، ولونا أشد تجهما من سواد الوجوه الشقية الكالحة الباسرة في قوله تعالى : " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ، ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة " سورة القيامة . لقد استقلت في لوحة السعداء لفظة " ناضرة " بتصوير أزهى لون و أبهاه ، كما استقلت في لوحة الأشقياء لفظة " باسرة " برسم أمقت لون و أنكاه .
 
أعلى