`¤*«مُحمدْ البادِيْ»*-¤

مشاركات الملف الشخصي آخر نشاط المنشورات حول

  • صحيح أنني تخصصت في الترجمة، إلا أنني أحس وأنا أقرأ أنني جاهل، قصارى غايته أن يشتغل، ويكسب الرزق، ويبر الوالدين، ويفي صلة الرحم، ولكن ينقصه التدبر في الكون، ولا يتأتى هذا التدبر الحقيقي إلا بالغوص في كهنوت المعرفة المتاحة من حولنا. عندما كنت في كلية الآداب والعلوم الاجتماعية، أخذت مادة اختيارية من كلية العلوم عنوانها الكيمياء العامة. أخذتني مادتها المعرفية إلى شيء رهيب من الإحساس بعظمة الخلق وعظمة خالقه.
    أمس، راسلني خالي ببعض المسائل الرياضية، وكان لحوحا، فقلت له إني أسوق. أمس، كنت أقرأ كتاب رحلة عقل وفيه يحكي عن أكبر الفلاسفة الملاحدة في عصرنا يعلن أن البراهين الفلسفية قادته إلى الأيمان بوجود منشئ كلي الوجود، كلي القدرة، حكيم، لطيف، خبير. وأنا أقرأ الكتاب، اشتقت إلى الرياصيات والفيزياء والكيمياء وجدولها الدوري، وعناصرها، والخلية وتركيبها، وغشائها السايتوبلازمي.
    سيخبرني كتاب عن فعالي // إذا شخصت يميني أم شمالي
    فلا جاهل يظننه سيخفى // على الملك المهيمن ذو الجـــــلال
    ودنيانا لبوس لو تبقت // بأسمــــــــال مخلقة وأطلال
    تداعت نسمة فلظى فؤادي // وهيجت الشجون بلا سؤالي
    كتمت سعيرها حينا وحينا // ويخنقني تنائيها وحالي
    وذكراها إذا اجتمعت إلي // تهاوت أنجمي وسط الليالي
    ستغنيها حياة عن ضجيجي // ويملأ قلبها وسن التسالي
    ويحدوني إلى الذكرى خيال // وهل شب الجنان عن الخيال
    أخاتل النفس أزمانا أنهنها // عن حوبة الإثم أمثالا أقرعــــــــــها
    زجرتها إن ثلبا ما يبصـرها // لمشرب الحوب كأس لا بد يصرعها
    أمارة إن في غيها عجــــب // والاستقامة أنوار لمنفــــــــــعــــــها
    لا تزدري صالح الأعمال واتقها // طريقا للغوي الضال يقرعـــــها
    بلغت عمرا ثلاثينا ركضت بها // ما أقصر العيش والأيام تدفعها
    أشتغل محصل ديون لأعمالي الترجمية، وبعثت رسالة أمس، من بين ما ورد فيها: وعسى أن تكون أسباب المودة موصولة بيننا، ومعاني الألفة متبادلة مع بعضنا، وأعتذر سلفا عن إلحاحي الفائت، واللجاجة في عرض زائل، ولكن الحق لا يعتذر عن المطالبة به، ولا السعي في تحصيله، ولا الحياء من المجاهرة به، وغاية المراد إيفائي به، وإنما هي نعم موجبة، وإما لا مريحة، وهذه آخر المعاودة بيننا، فإما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
    كلما قررت أن أقطع علائقي، رجعت هنا أتحسس ذاتي، أثرثر لنفسي، لعلني أكون مختلفا عما كنته، لربما اكتشفت حقيقتي، ماذا لو ذهبت، ولم أعد أشعر بالرغبة في الرجوع، لربما كنت غير ما أظن، وكل تلك المثالية أوهام مغروسة.
    شكرا جزيلا ..
    كلما أعرف أكثر عن الحياة، أدرك أكثر أني لا أزال جاهلا كبيرا بها، وأتساءل كيف تتقاطع مصائر الآخرين مع مصيري وكيف تتشابك حياتهم مع حياتي. أتساءل إن اتخذت قرارات مغايرة سابقا سوف تكون النتيجة مختلفة معي الآن.
    شكرا جزيلا ..
    قال لي والدي بعد المغرب أنا تعبت في حياتي، واشتغلت في قطر والبريمي وأنا صغير وكنت أشتاق إلى والدي ووالدتي وأترك العمل وأرجع إليهم. أحسست بحرقه في نفسي، ورحمه. يوم الجمعة، أصبحت بعد الفجر في المنحل، فقال لي لما أشوفك تطيب عيني
    رأيت مثل هذا اليقين في شخص آخر ولكن بصورة أهدأ، فلا يصيبه شيء يزعجه إلا قال خيرة خيرة وإذا تبرمت له من شيء قال لي لعله خيرة لا تحزن لعله خيرة. كنت لا أفقه هذه الكلمات ولا أدري ماذا تعني لعلها خيرة لعلها خيرة. بدأت الآن أستوعبها قليلا فقليلا، ووالله الآن فهمت قول النبي صلى الله عليه وسلم عندما رأى امرأة أسيرة ترضع صغيرها: إن الله أرحم بعباده من هذه الوالدة بولدها.
    يقول أنها التزمت التزاما كبيرا. وواظبت عليها، وكنت أسألها بين الحين والآخر عن حالها، وبعد شهرين يا محمد، تقدم إليها ابن خالتها الذي يسكن في مكان بعيد إليها، وكان أصغر منها، ووالله دمعت عيني لما قيل لي، وانسحبت من الجلسة، قال الولد أنه لا يريد أحدا غيرها بالرغم من أنها أكبر منه.
    قال لي مرة، اتصلت في ابنة أخي الكبيرة، وكانت في حالة نفسية مزعجة. فذهبت إليها وتبكي وتقول أنها تحس بأنها خادمة في بيت أهلها، وإلى متى سأظل غير متزوجة وأختي الصغيرة تزوجت. فأخذت أهديها وأذكرها الله وطلبت منها أن تأخذ عداد التسبيح الذي يوضع في الإصبع وأن تواظب على التسبيح يوميا ليس أقل من ٢٠٠ مرة. وبعد ٦ أشهر سنقوم بتقييم الموقف، ونزيد من التسبيح.
    هو بنفسه حدثني عن كثير من المواقف التي رأي فيها ما أذهله من رحمة الله ولطفه به، وهذا الإنسان موقن بالله يقينا لم أره في شخص غيره، وأتطلع أن أكون مثله، حفظه الله.
    ولما رجعت للبيت منتصف الليل، سألتني زوجتي عن المبلغ، فقلت لها أني أعطيته لشخص. فزعلت علي وقالت أنهم أولى بالمبلغ من الآخرين لشدة حاجتهم. وأصبحت في العمل وفي خاطري انزعاج من الموقف الذي صار لي معها، ولما وصلت إلى الاستقبال، قالوا لي أن الرئيس التنفيذي للمؤسسة أمر بصرف مكافأة لك. فتحت المظروف ووجدت فيه ٥٠٠ ريال عماني. فلم أتمالك نفسي وذهبت إلى مكان عملها ورميت المظروف إليها، وقلت له شوفي ربك ما ينسى عبده ورزقنا عليه
    سبحان الله، يرزق من غفل عنه ومن ذكره، ويبارك في القليل حتى يأتي الكثير. قال لي مسؤولي أتيت إلى العمل وكنت موظفا عاديا، ورأيت زميلا باكستانيا يبكي، وسألته ما به. فقال لي أنه محتاج إلى ٥٠ ريال عماني وأنه ليس عنده مال. قال مسؤولي وكان عندي هذه الخمسين وكنت في أمس الحاجة إليها، ووعدت أم عيالي أن نشتري بها لوازم لأطفالنا وحاجيات البيت. فأعطيته الخمسين وهي والله كل ما لدي من مال.
    يخوفني الشيطان كثيرا من الجوع، ونقص المال، ويزرع في الهواجيس: كيف ستنفق على نفسك وعلى غيرك، كيف ستدفع ثمن البترول للسيارة، كيف ستدفع إيجار سكن أخواتك الطالبات. كنت سابقا أقع فريسة لهذه الهواجيس، وأذرع حياتي بالقلق والخوف والغضب من الآخرين. ولكن الأمر اختلف كثيرا الآن، تعلمت من مواقف كثيرة كيف يسوق الله إلي الرزق في غفلة من أمري، ويأتيني الفرج من حيث لا أدري.
    تختلط علي الأفكار، وتدعوني نفسي أن يعجب الآخرون بشيء جميل أو عمل أقوم به، وهذا خطأ، أحاول تصحيحه بتصويب مسار نيتي أن تكون لله وامتثالا لأوامره، واجتنابا لنواهيه
    كل واحد منا ارتكب أفعالا يخجل من أن يطلع عليها الآخرون، الله وحده مطلع عليها لأنه لا يؤاخذنا بما كان منا في السابق، وتعاملنا مع الآخرين بمثالية شديدة قد لا تكون صحيحة في الواقع إنما هي من باب التعامل بالأخلاق الحسنة، ولو أنا اطلعنا على عيوب بعضنا البعض لكرهناهم ولكرهوني، ولكن ستر الله علي نعمة عظيمة لا أفيها حقها إلا بإخلاص النية لله وحده لا رياء فيها لأحد.
    يوم العيد، عصرا، أول مرة أضحي للعيد عن نفسي، كنت مع عليٍ عند حفرة التنور، نجهز كيس التنور ونربطه بالأسلاك، وضحك أخي مني، وقال: أحيانا أرى عقلك كبير في الحوارات، وعند العمل أرى خسافة كبيرة :). هذا العيد، افتقدني أرحامي جدي وخالاتي لأني عودتهم المرور عليهم للسلام أول أيام العيد. وجدي يقول لي غيبك هذا العسل عنا :).
  • جار التحميل…
  • جار التحميل…
  • جار التحميل…
أعلى